صديق الحسيني القنوجي البخاري

596

فتح البيان في مقاصد القرآن

ما يعود إليه لفظا بخلاف الثاني ، والمراد بعاليها وجه الأرض وما عليه رفعها جبريل إلى السماء من الأرض السفلى وأسقطها مقلوبة إلى الأرض ، وكانت أربعة قرى فيها أربعمائة ألف مقاتل . وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على من كان خارجا عن قراهم بأن كان غائبا في سفر أو غيره حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ أي من طين متحجر طبخ بالنار ، وقد تقدم الكلام مستوفى على هذا في سورة هود . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من قصتهم وبيان ما أصابهم لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ أي للمتفكرين الناظرين في الأمر يستدلون بها ، وقال أبو عبيدة للمتبصرين ، وقال قتادة : للمعتبرين ، وقيل للمتأملين كأنهم يعرفون باطن الشيء بسمة ظاهرة وقال مجاهد للمتفرسين . وأخرج البخاري في التاريخ والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه ؛ ثم قرأ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ » « 1 » والفراسة على نوعين : أحدهما : ما يوقعه اللّه في قلوب الصلحاء فيعلمون بذلك أحوال الناس بإصابة الحدس والنظر والظن والتثبت . والثاني : ما يحصل بدلائل التجارب والأخلاق ، وللناس في هذا العالم تصانيف قديمة وحديثة ، وقال ثعلب : الواسم الناظر إليك من فرقك إلى قدمك ، والمعنى متقارب ، وأصل التوسم التثبت والتفكر تفعل مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة في جلد البعير أو البقر ، وقيل أصله استقصاء التعرف يقال توسمت أي تعرفت مستقصيا وجوه التعرف ، وقيل هو من الوسم بمعنى العلامة . وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ يعني قرى قوم لوط أو مدينتهم على طريق ثابت أو الباء بمعنى ( في ) وهي الطريق من المدينة إلى الشام فإن السالك في هذه الطريق يمر بتلك القرى ويشاهدها ويرى أثر عذاب اللّه وغضبه لأنه لم يدثر ولم يخف ولم يزل ، وعن ابن عباس معنى لبسبيل لبهلاك ، وعن مجاهد لبطريق معلم ليس يخفى وعن قتادة لبطريق واضح . إِنَّ فِي ذلِكَ المذكور من المدينة أو القرى أو ما أنزل بهم من العذاب لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ يعتبرون بها فإن المؤمنين باللّه والأنبياء والمرسلين من العباد هم الذين

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 15 ، باب 6 .